ابن عجيبة
534
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم أمره بالنزول إلى الأرض من السفينة ، فقال : [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 48 إلى 49 ] قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ ( 48 ) تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ( 49 ) قلت : « تلك » : مبتدأ . و « من أنباء » : خبر . و « نوحيها » : خبر ثان ، و « ما كنت تعلمها » : خبر ثالث ، أو حال من الهاء ، أي : حال كونها مجهولة عندك وعند قومك . يقول الحق جل جلاله : قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ من السفينة إلى عمارة الأرض بِسَلامٍ مِنَّا ، أي : متلبسا بسلامة من المكاره ، من جهة حفظنا ورعايتنا . أو مسلما عليك . وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ ؛ وزيادات في نسلك حتى تصير آدما ثانيا . فالبركة هي : الخير النامي . أو : مباركا عليك ، وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ أي : هم الذين معك ، أو ناشئة ممن معك ، فقد تشعبت الأمم ممن معه من ذريته . والمراد : المؤمنون ، بدليل قوله : وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ في الدنيا ، ونوسع عليهم فيها ، ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة ، وهم الكفار ممن نشأ من ذريته . وقيل : هم قوم هود وصالح ولوط وشعيب ، والعذاب : ما نزل بهم في الدنيا . تِلْكَ القصة ، أو خبر نوح عليه السّلام ، هي مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ أي : بعض أخبار الغيب نُوحِيها إِلَيْكَ ؛ لا طريق إلى معرفتها إلا الوحي ، ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا الوقت لولا إيحاؤنا إليك بها ، فهي من دلائل نبوتك ؛ لأنك لم تغب عنهم ، ولم تخالط غيرهم ، فتعين أنه من عند اللّه . فإن كذبوك فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ وأنت أعظمهم . فالعاقبة لك في الدنيا بالنصر والعز ، وفي الآخرة بالرفيق الأعلى . أو فاصبر على مشاق التبليغ مع إيذاية قومك ، كما صبر نوح عليه السّلام . إن العاقبة للمتقين بالنصر في الدنيا ، والجنة في الآخرة . الإشارة : يقال للمريد إذا تمكن من الفناء ، وارتفعت فكرته عن عالم الأكوان : اهبط إلى مقام البقاء ؛ لتقوم بآداب العبودية بعد مشاهدة عظمة الربوبية ، انزل إلى سماء الحقوق ، أو أرض الحظوظ بالإذن والتمكين ، والرسوخ في اليقين ، لا بقصد متابعة الشهوة والمتعة . اهبط بسلام منا ؛ أي : بسلامة من الرجوع أو الشقاء ، وبركات عليك وعلى من تبعك . ولذلك قيل : من رجع إلى البقاء أمن من الشقاء . وأمم قد ضلوا عن متابعتك ، سنمتعهم في الدنيا بمتابعة الهوى ، ثم يمسهم منا عذاب الحجاب وسوء الحساب . تلك الواردات الإلهية نوحيها إليك ، ما كنت تعلمها أيها العارف من قبل هذا ، أنت ولا من تبعك ، فاصبر ؛ فإن الجمال مقرون بالجلال ، والعاقبة للمتقين . واللّه تعالى أعلم .